ابن الأثير

57

الكامل في التاريخ

جليل القدر عندهم ، وعادوا خاسرين ، وأقاموا ثلاثة أيام ، فلم يروا فيها طمعا ، فرحوا إلى قلعة الأثارب ، فخاف من فيها من المسلمين ، فهربوا عنها تاسع شعبان ، فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا ، فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر إلى الأثارب ، فأوقع بمن فيها من الروم ، فقتلهم ، وخلّص الأسرى والسبي وعاد إلى حلب . وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها ، وعبر ثقله الفرات [ 1 ] إلى الرقة ، وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة . وأما الروم فإنّهم قصدوا قلعة شيزر ، فإنّها من أمنع الحصون ، وإنما قصدوها لأنها لم تكن لزنكي ، فلا يكون له في حفظها الاهتمام العظيم ، وإنما كانت للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني ، فنازلوها وحصروها ، ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقا ، فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده ، فسار إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها ، بينها وبين حماة ، وكان يركب كل يوم ويسير إلى شيزر هو وعساكره ويقفون بحيث يراهم الروم ، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم . ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له : إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال ، فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي ، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم ، وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها . ولم يكن له بهم قوة وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه ، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بمصافّته ، وهونوا أمره عليه ، فلم يفعل ، وقال : أتظنّون أنه ليس له من العسكر إلا ما ترون ؟ إنما هو يريد أن تلقوه [ 2 ] فيجيئه من نجدات المسلمين ما لا حد له .

--> [ 1 ] الفراة . [ 2 ] تلقونه .